أحمد بن ابراهيم النقشبندي

211

شرح الحكم الغوثية

وتلذذوا بحقيقة الذّكر لمن بنعمه أولاكم ؛ إذ حقيقة الذّكر الإعراض عن السوى ، والإقبال على المولى ، فما دام فيه خطره من الأكوان ، فهو مصاحب لها ، وهي مشغلة له بصحبتها عن مولاه ، ومن لا يصبر على صحبة مولاه ابتلاه بصحبة العبيد ، وهي الخواطر والنقوش الكونية ، وهي الحجاب الذي بين العبد وربه كما قال بعض العارفين . فلذلك قال في الحكم العطائية : فرّغ قلبك من الأغيار تملأه بالمعارف والأسرار « 1 » .

--> ( 1 ) قال الشيخ ابن عجيبة : التفرغ هو الخلو من الشيء والتنظيف منه ، والأغيار : جمع غير بكسر الغين وفتح الياء ، ويصح أن يكون بفتح الغين وسكون الياء وهو أليق ، والمراد به حينئذ السوى ، وإنما جمعه لتعدد أنواعه كما قالوا في جمع العالمين . يقول رضي الله عنه : فرغ قلبك أيها الفقير من الأغيار ، وهو ما سوى اللّه ، بحيث لا يتعلق قلبك بشيء من الكون علويّا ، أو سفليّا ، دنيويّا ، أو أخرويّا حسيّا أو معنويّا ، كحب الخصوصية وغيرها من الحظوظ ، فإذا رحل قلبك من هذا العالم بالكلية ولم يبق فيه إلا محبة مولاه ، فإنه يملأه بالمعارف ، بحيث يكشف عنك حجاب الوهم ، ويذهب عنك ظلمة الحس ، فتشاهد الأشياء كلها أنوار ملكوتية مشاهدة ذوقية تمكينية ، ويملأه أيضا بالأسرار ، وهي أسرار الجبروت ، فتغيب بالجمع عن الفرق ، وبشهود الجبروت عن شهود الملكوت ، وتكاشف بأسرار القدر فيهب عليك نسيم برد الرضا والتسليم ، وأنت في حضرة النعيم المقيم عند الملك الكريم ، فالأسرار على هذا أبلغ من المعارف ، فالمعارف أنوار الملكوت ، والأسرار أنوار الجبروت ، لأن السائر قد يكشف له عن نور الملكوت ، فيشهد الكون كله نورا لكنه مفتقر إلى تلك الأنوار ليترقى بها إلى التمكين في شهود الذات ، كافتقار القارئ إلى النظر في الرسوم ، فإذا حفظ القارئ المعنى وتمكن منه محي الرسوم ولم يفتقر إليها ، كذلك السالك يكشف له أولا عن نور الكون فيغيب في النور عن ظلمة الحس ، ثم لا يزال في السير حتى يقبض المعنى ويتمكن منه ، فلا يحتاج إلى مشاهدة ، فيستغني عن نور الملكوت بنور الجبروت ، وقد تقدم هذا المعنى عند قول المؤلف : اهتدى الراحلون إلخ الحكمة ، فيمتحى السوى عن عين قلبه بالكلية ، ويغيب عن نفسه وحسه بشهود الأحدية ، وللّه در قول الشاعر : إن تلاشى الكون عن عين قلبي * شاهد السرّ غيبه في بيان فاطرح الكون عن عيانك وامح * نقطة الغين إن أردت تراني ويحتمل أن يريد بالمعارف علوم العرفان ، وبالأسرار الأذواق والوجدان ، فتكون المعارف هي علوم المعرفة ، بحيث يعرف في كل شيء ، ولا ينكر شيئا ، والأسرار أذواق تلك العلوم ، فإن -